حكايه ايهم ورد بقلم ورد
المحتويات
يحدث لكنه شعر بقلبه يعتصر بقلق غريب كأن هذه اللحظة تحمل أكثر مما تبوح به. نظراته كانت متوترة تتنقل بين الصغير والمرأة التي بدت وكأن الزمن توقف عندها.
أما هي فما إن وصل ذلك النداء إلى مسامعها حتى ارتجف قلبها بين أضلاعها شعرت وكأن صوتا ما يناديها من أعماق ماض مجهول كأن شيئا كان مفقودا وعاد للحياة. لم تقو على منع نفسها من رفع رأسها لم تستطع مقاومة ذلك الشعور الجارف الذي اجتاحها.
وعندما وقع بصرها على الطفل شعرت بأن أنفاسها تعلقت في صدرها وكأن روحها كلها تجمدت للحظة. كان يركض نحوها ذراعاه الصغيرتان ممدودتان وعيناه ټغرقان في الدموع كأنه كان يبحث عنها طيلة عمره. لم تفهم كيف ولماذا لكنها شعرت أنها تريده أن يكون ابنها أن يكون هو ذاك الجزء الضائع منها.
وفجأة اندفع الصغير نحوها ارتمى بقوة كأنما يخشى أن يفلت منها مرة أخرى
قلبها يكاد يخرج من صدرها من فرط النبضات التي تسارعت پجنون.
كل الأنظار كانت مصوبة نحوها ولكنها لم تر أحدا سواه. ولم تشعر للحظة شعرت أنها استردت شيئا ثمينا شيئا لم تكن تعلم أنه مفقود من الأساس.
ترددت رفعت يديها المرتعشتين ببطء ثم أبعدته عنها قليلا تبحث في ملامحه الصغيرة عن إجابة عن يقين يثبت لها أن هذه اللحظة حقيقية وليست مجرد حلم نسجه قلبها المشتاق.
خاف... خاف أن تكون مجرد وهم خاف أن يكون قد أخطأ أن يخذله قلبه الصغير فامتلأت عيناه بالدموع واڼفجر بالبكاء لكنه لم يجرؤ على رفع عينيه إليها.
أما هي فشعرت أن روحها تنتزع من مكانها ركعت أمامه ببطء تمسكت بقوة
أنت يونس
لم يجب بل ازدادت دموعه فهزته برفق كأنها تحاول أن توقظه من خوفه من تردده ورددت بصوت أكثر يأسا
أنت يونس
ببطء
في تلك اللحظة لم يعد هناك ما يمنعها لم تعد هناك قوة في هذا العالم تستطيع أن تفصلها عنه مرة أخرى.
تبكي بحړقة تحاول أن تعوضه عن كل لحظة ضياع.
كان مشهدا مؤثرا لدرجة أن من حولهم لم يتمالكوا أنفسهم امتلأت العيون بالدموع دون أن يعرف أحد السبب لكن ما كان واضحا للجميع أن هذا اللقاء سيظل محفورا في الذاكرة لسنوات طويلة.
ورد!
سمعت صوتا نادى اسمها اسمها الذي ظنت أنها لن تسمعه بهذه النبرة مجددا. رفعت عينيها المغرورقتين بالدموع لتراه يقف هناك ملامحه مرهقة لكنها تحمل شيئا لم تره منذ زمن شيئا يشبه الأمان.
لم تفكر لم تتردد ركضت نحوه بقوة كأنها تحاول اختراق المسافة التي تفصلها عنه
لكن قدميها خانتاها كأنها لم تعد تملك القوة لتقف فسقطت معه على الأرض لكنها لم تهتم
كان يبكي... وهي تبكي... لكن هذه المرة كانت دموعهما تشبه الغيث بعد جفاف طويل.
عندما تعلقت زليخة بيوسف حبا حرمها الله منه وحين تعلقت بالله إخلاصا وهبها الله يوسف.
وهكذا كانت ورد حين تعلقت بالله في الآونة الأخيرة وهبها الله زوجها وابنها من جديد...
..4..
استيقظ أيهم على يد صغيرة تهزه برفق فتح عينيه ببطء ليجد صغيره يونس يقف أمامه عيناه متورمتان من البكاء. جلس سريعا حمله بين ذراعيه وربت على ظهره بحنان.
أنا حلمت حلم جميل أوي بابا... حلمت إني شفت ماما.
ازدادت دقات قلب أيهم مسح دموع صغيره وهو يهمس
دي ماما فعلا يا يونس مش حلم يا حبيبي.
ارتسمت الدهشة على ملامح الطفل ثم سأل بلهفة
بجد أمال هي فين
أنا أهو يا حبيبي.
كان صوت ورد دافئا وهي
أوعي تسبينا تاني يا ماما!
أنهكت روحها وهي تتخيل هذه الكلمة آلاف المرات والآن تسمعها منه حقيقة تغرقه بحبها وتهمس بصدق
عمري ما هسيبكم تاني عمري يا يونس. وكأنما يعيد جمع العائلة التي تفرقت.
تذكرت ورد أحداث الليلة الماضية عندما أخذها أيهم وذهبا إلى المأذون ليعقدا قرانهما مجددا كلمات العقد كتبت وكأنها لا تمحى تربطهما إلى الأبد.
لم تتردد رفعت هاتفها واتصلت بوالدتها وما إن أجابت حتى جاء صوتها القلق
وعليكم السلام فينك يا ورد برن عليك من الصبح مبترديش ليه
ابتسمت رغم دموعها وأجابت
أنا آسفة يا ماما كنت حابة أطمنك وأقولك إني رجعت لجوزي اللي حرمتوني منه ومن ابني رجعت وروحي رجعت معايا يا أمي!
صمتت للحظة ثم تابعت بصوت متهدج
حاسة إني بقيت ورد المراهقة تاني اللي كانت بتبص لحب عمرها من بعيد والنهارده اتجوزته من جديد. أنا مبسوطة أوي يا ماما! ابني كبر وبقى نسخة من أيهم حفيدكم اللي فرطتوا فيه كبر يا أمي.
أغلقت الهاتف وهي تأخذ أنفاسها بسعادة. التفتت فرأت زوجها يحمل ابنهما
الحمد لله.
كانت هذه الكلمة تختصر كل شيء فبعد الفراق عاد لم الشمل من جديد.
يا أيهم قولتيلك متعلقش الزينة من غيري!
قالتها بعبوس شديد وذراعاها معقودتان أمام صدرها.
ضحك أيهم عليها
لسه ما عملتش حاجة وبعدين هتعرفي تشتغلي ببطنك دي
رفعت حاجبها بسخرية وردت بنبرة فيها بعض الحدة
ضحك أيهم بخفة
وده ضار جدا لبنتك.
بس أنا عاوزاه ولد!
وأنا عاوزه بنت شبهك يا
ورد نفس عيونك وملامحك وحلاوتك وطيبتك.
نظرت له بمكر قبل أن
يا أخي أنا بحبك.
ضحك أيهم عليها
قبل أن ترد عليه قاطعهما صوت صړاخ يونس الحماسي
يا ورد! يا أيهم! يا اللي جوه!
تعالى يا حبيبي إحنا هنا!
دخل يونس عليهما بحماس وقال
عندي ليكم خبرين حلوين!
اتسعت أعينهما ترقبا فتابع بفرحة
الأول إني جبت الشهادة وطلعت الأول في المدرسة! والتاني إني هأذن في صلاة الفجر أول يوم رمضان مع الشيخ!
تلألأت دموع الفخر في أعينهما وهما ينظران إلى بذرتهم الصالحة ثم وضع أيهم يديه على كتفي ابنه قائلا بحنان
حتى لو مطلعتش الأول أو مجبتش درجات كويسة عاوزك تعرف إننا فخورين بيك مش عشان درجاتك لكن عشانك إنت... فرحتك وحماسك وأخلاقك بالدنيا كلها أهم حاجة عندنا صحتك وطيبة قلبك يا يونس.
بابا فخور بيك جدا جدا يا يونس!
بابا عنده حق أهم حاجة علاقتك بربنا وأخلاقك يا حبيبي أحنا مش بنحبك عشان نجاحك بس بنحبك لأنك ابن صالح وده اللي هيدخلك الجنة في الآخرة
أكملت حديثها بفخر
وهقف أسمعك من البلكونة وأنت بتأذن وهقول للناس ابني المأذن!
ضحك يونس واحتضن والدته بقوة
أنا بحبك أوي يا ماما!
طب وكيس الجوافه اللي واقف ده
أنا كمان بحبك ي بابا
ثم أكمل حديثه بمكر
بس بحب ماما أكتر!
ضحك أيهم بخفة وهو ينظر إلى يونس ثم مال نحوه وربت على رأسه بحنان وقال بمرح
وأنا كمان بحبك يا بطل بس متجيش عليا مع أمك كده أنتوا متفقين عليا ولا إيه
قهقه يونس بينما الټفت إلى ورد وقال بمكر
طبعا متفقين إحنا فريق واحد وأنت لوحدك يا بابا!
رفع أيهم حاجبيه بتمثيل الدهشة ثم انحنى ليحمل يونس ويضعه فوق كتفه قائلا بحزم مصطنع
يبقى لازم أعلمك درس في الولاء يا صغيري!
صړخ يونس ضاحكا وهو
متابعة القراءة